الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

170

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والإيواء تقدّم عند قوله تعالى : فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ في هذه السورة [ 26 ] . والنصر تقدّم عند قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً - إلى قوله - وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ في سورة البقرة [ 123 ] . والمراد بالنصر في قوله : وَنَصَرُوا النصر الحاصل قبل الجهاد وهو نصر النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين بأنّهم يحمونهم بما يحمون به أهلهم ، ولذلك غلب على الأوس والخزرج وصف الأنصار . واسم الإشارة في قوله : أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ لإفادة الاهتمام بتمييزهم للإخبار عنهم ، وللتعريض بالتعظيم لشأنهم ، ولذلك لم يؤت بمثله في الإخبار عن أحوال الفرق الأخرى . ولمّا أطلق اللّه الولاية بينهم احتمل حملها على أقصى معانيها ، وإن كان موردها في خصوص ولاية النصر ، فإنّ ذلك كورود العامّ على سبب خاص قال ابن عباس : أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يعني في الميراث جعل بين المهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام ، حتّى أنزل اللّه قوله : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [ الأنفال : 75 ] أي في الميراث فنسختها ، وسيأتي الكلام على ذلك . فحملها ابن عبّاس على ما يشمل الميراث ، فقال : كانوا يتوارثون بالهجرة ، وكان لا يرث من آمن ولم يهاجر الذي آمن وهاجر ، فنسخ اللّه ذلك بقوله : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [ الأنفال : 75 ] . وهذا قول مجاهد وعكرمة وقتادة والحسن . وروي عن عمر بن الخطاب وابن مسعود ، وهو قول أبي حنيفة وأحمد ، وقال كثير من المفسّرين هذه الولاية هي في الموالاة والمؤازرة والمعاونة دون الميراث اعتدادا بأنّها خاصّة بهذا الغرض ، وهو قول مالك بن أنس والشافعي . وروي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عمر وأهل المدينة ، ولا تشمل هذه الآية المؤمنين غير المهاجرين والأنصار . قال ابن عباس : كان المهاجر لا يتولّى الأعرابي ولا يرثه ( وهو مؤمن ) ولا يرث الأعرابي المهاجر - أي ولو كان عاصبا . وقوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ جاء على أسلوب تقسيم الفرق فعطف كما عطفت الجمل بعده ، ومع ذلك قد جعل تكملة لحكم الفرقة المذكورة قبله فصار له اعتباران ، وقد وقع في المصحف مع الجملة التي قبله ، آية